السيد جعفر مرتضى العاملي
155
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
وإذا فرض عليهم أن يستمرّوا في مواجهة هذه الآلام والمشاقّ ، دو نما أملٍ أو رجاءٍ ، فمهما كانت قناعتهم بهذا الدّين قويّةً وراسخةً ؛ فإنّ من الطّبيعي والحالة هذه أن يتطرّق اليأس إلى نفوسهم ، ثمّ الهروب والملل من حياة كهذه . رابعاً ؛ لقد رأت قريش أخيراً أنّها قد اهتدت للطّريقة الّتي تستطيع بواسطتها أن تقتل النّبيّ ( ص ) دون أن تكون مسؤولةً أَمام الهاشميين بشكل مُحدّد ، أو بالأخرى ، دون أن يستطيع الهاشميوّن أن يطالبوا بدم النّبيّ ( ص ) وذلك بأن يقتله عشرة ، كلّ واحد منهم من قبيلة ، فيضيع دمه في القبائل ، ولا يستطيع الهاشميوّن مقاومتها جميعاً ، لأنّهم إمّا أن يقاتل القبائل كلّها ، وتكون الدّائرة عليهم ، وإمّا يقبلوا بالدّية ، وهو الأرجح . وإذا قُتل النّبيّ ( ص ) فإنّ القضاء على غيره من أتباعه يكون أسهل وأيسر ؛ بل وحتّى لو تركوهم على ما هم عليه ، فإنّ أمرهم لسوف يصير إلى التّلاشي والاضمحلال . وبعد كلّ ما تقدم يتضّح : أنّه كان لابدّ للنّبي الأعظم ( ص ) ولمن معه من المسلمين من الخروج من مكّة إلى مكان أمن وسلام ، لا يشعرون فيه بأي ضغط ، يملكون فيه حريّة الحركة وحريّة التخطيط لبناء مجتمع إسلامي يكون فيه النّبيّ ( ص ) قادراً على القيام بنشر دعوته وإبلاغ رسالته على النّحو الأفضل والأكمل . سرّ اختيار المدينة وأمّا عن سرّ اختيار النّبيّ ( ص ) للمدينة بالذّات داراً لهجرته ، ومنطلقاً لدعوته دون غيرها كالحبشة مثلًا فذلك يرجع إلى عدّة عوامل ، نذكر منها ما يلي : 1 . إنّ مكّة كانت تتمتّع بمكانة خاصّة في نفوس النّاس وبدون السّيطرة عليها والقضاء على نفوذها الوثني ، واستبداله بالنّفوذ الإسلامي ، فانّ الدعوة كانت بحاجة إلى مكّة بنفس القدر الّذي كانت مكّة بحاجة فيه إلى الدّعوة .